محمد العامري الغزي
111
المطالع البدرية في المنازل الرومية
منه عندما نصل خضاب الليل ، وشمّر [ 53 ب ] زنجيه « 1 » للهرب من رومي الصباح الذيل ، ولمع صارم الفجر من الشرق كلمعان البرق ، وسرنا في دروب محجرة ، ودربندات مضجرة ، وشعراء بالخوف مشعرة ، وأرض خالية من الأنيس مقفرة ، ومسالك عسرة وعرة ، إلى عقبة ينخفض عنها طرف العقاب ، ويعسكر دونها جيش السحاب ، بها أشجار لا تعدّ ولا تحصى ، ولا يدرك الأدنى منها والأقصى ، فلم نزل نجوب كل مسلك وطريق ، تارة في السعة وتارة في الضيق ، إلى أن وصلنا وقت الضحى الأنيق ، عند تعالى وجه الشمس الشريق ، من يوم الأربعاء إلى مدينة أزنيق « 2 » ، وهي مدينة عظيمة « 3 » المنظر حسنة المخبر ، ممتعة بالروض الناعم والنسيم الأعطر ، من أحسن البلاد الرّوميّة أزقة وأسواقا ، وأكثرها فوائد وأرزاقا ، وأوضحها بياضا وإشراقا ، وأبدعها اتصالا بالبساتين والتصاقا ، وأملحها مرسى « 4 » ، وأمنحها أنسا ، وأينعها روضا ، وأترعها [ 54 أ ] حوضا ، معتدلة الهواء ، سامية البناء ، واسعة الفناء ، ساكنة المساكن ، مكينة الأماكن ، لائحة المباهج ، واضحة المناهج ، صافية الزلال ، ضافية الظلال ، معشبة الشعاب ، عامرة الجناب ، مرنة الرباب ، هامرة السحاب ، سابغة المدارع ، سائغة المشارع ، سافرة المطالع ، وافرة الصنائع ، وهي مخصوصة بعمل الصيني الرّوميّ « 5 » وبه تعرف ، وهو ألطف من معمول الصّين وأظرف ، وبها فاكهة كثيرة حسنة ، وقد رأينا بها قراصيا ملوّنة ما بين بيضاء وشقراء
--> ( 1 ) وردت في ( م ) : « رنجيّه » . ( 2 ) أزنيق : مدينة في بلاد الرّوم قرب شواطئ بحر مرمرة الشرقية ، وهي مدينة أثرية ، وكان اسمها في القديم « نيقية » ، فتحها السّلطان أورخان سنة 731 ه . وبينها وبين القسطنطينيّة أربع مراحل ( 90 كم ) ، وقد مرّ بها الرحالة كبريت ، قال : « وإليها ينسب الفخار الأزنيقيّ لأنّ بها مصانعه وأحجاره » ، كما أفاض في الحديث عنها الرحالة الخياري ، انظر : رحلة الشتاء والصيف 189 ، ورحلة الخياري 1 : 235 وأخبار الدول 3 : 306 ، وبلدان الخلافة الشرقية 182 . ( 3 ) وردت في ( م ) : « غضّة » . ( 4 ) وردت في ( ع ) : « رسى » . ( 5 ) هو الفخار الأزنيقيّ ويعرف أيضا بالقاشانيّ .